موت شاعر
التجاني حاج موسي
******

أنعي لكم سادتي
موت شاعر..
عرفته مذ كنا
صغاراً..
نطارد الفراشات الملونة
ونرشف رحيق الورد
في الحقول..
لم يكن مثلنا
يمارس السباحة
أو يلعب كرة الشراب..
بل كان يرمقنا
بعين الرفض والقبول..
وكان دائم التأمل
لحظة الغروب
ويحبس شهقة
يحدثها كالمذهول
بحمرة الشفق!!
كبرنا..
كبُرت أشياؤه
وصغرت أشياؤنا..
وذات يوم فجأة
فجر مخزون البوح
كأنما اختزنه
للحظة ميلاد القصيد!!
وانسابت جداول
من الغناء والحداء..
لم نندهش
لأننا كنا نعلم
أنه قد خبأ النجمات
والزهرات والورد
منذ ذلك الزمان..
وباركت المدينة
ميلاد شاعرنا الجميل..
بالأمس أخبروني
أنه مريض
كنا افترقنا منذ
سنوات بعيدة..
أخباره يأتي بها المذياع
وأحياناً نقرأها
عبر أخبار الصحف..
بالأمس كنت معه
في غرفة الإنعاش..
سمحوا لي
شريطة أن لا أتحدث!!
نظرت إلى وجهه
إلى عروقه..
أحسب أنفاسه
ونبض قلبه..
قالوا لي هكذا ظل
على هذا الحال
منذ أشهر خلت..
غائباً عن كل مشهدٍ
مسجى على السرير
يغط في نومه العميق..
أخاله يجتر ذكريات الصبا
والشروق والغروب..
ألمح بسمة تحبو وتستبين..
والمشجب المنصوب قربه
يتدلى منه أنبوب الدواء
ينساب عبر عروقه
يبلها من اليباس والذبول..
أحسب أن رعشة
أو ومضة قد اعترته
كما انسياب الضوء خافتة!!
ملاءة السرير تنبئ
عن انسيابها
(الأعمار بيد الله)
وقلبه ينبض بانتظام
ألحظة انتظار؟!
أم لحظة احتضار؟!
قبل رقدته هذه..
قد كان دفقة من
النشاط والشعور
يسبر غور كل
شاردة وواردة..
احتفى بكل طائر
يمر من أمامه..
يشهد ميلاد كل
زهرة وزنبقة..
يغوص في النضار والألوان
ويسرج الخيال
يردد النشيد:
(كيف نمت من حبة
وكيف صارت شجرة؟!
ذاك هو الله الذي
أنعمه منهمرة!!)
تمور في أعماقه
أغنيات العشق والغرام..
وصوته ينساب خافتاً
ممعناً في لجة الحياة والزحام..
ممعناً يلح في السؤال:
كيف السبيل للوصول؟!
وتسقط الأيام والفصول
وخطوه في لجة الحياة
ونجمه
ينبئ بالأفول!!
ومقطع من قصيدة آتية
يأبى البوح والكلام
قصائد الشعر ماتت عنده
وألجم السكون صدره
لا زفرة لا شهقة
تنم عن عوالم القصيد..
عواصف الحياة تكالبت عليه
أعماقه خواء
تحجرت حواسه
لم يعد يميز الأشياء!!
وأطبق الجنون ناحيةً لديه
جثمت على صدره الهموم
سيان عنده الأحزان والأفراح
سيان عنده الليل والصباح
يا أيها المسجى في السرير:
ما المصير؟!
متى تحين ساعة الرحيل؟!
وما المتاع أيها المسكين؟!
متى تحين ساعة السفر؟!
حسبك رشفة صدقٍ
شربتها في لحظة النقاء والطهور
وبغتةً تودع الرفاق والأهل
لقادر وخالق ومقتدر
هناك تنشد الأمان والسلام

********